(تصميم بزري)
أن نستحضر الحركات النسائية في أربعينيات القرن العشرين في لبنان من خلال قضية واحدة ، أي حق الاقتراع، فيه من التبسيط. صحيح أن العديد من النساء في تلك الحقبة ضغطن من أجل الحق في التصويت، وتخيلن علنًا كيف يكن متساويات مع الرجال من طبقتهن ومشاركات في الحياة العامة معهن. ومن المؤكد أن هذا الهدف كان مستوحى بشكل كبير من تمثيل للنساء في الدول “المتحضرة” في أوروبا والولايات المتحدة. فكما هو الحال في كل فترة زمنية، تجلّى الانخراط السياسي والأهداف السياسية للنساء في لبنان في الأربعينيات بوسائل وخطابات متباينة، بناء على مجموعة من العوامل منها: الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعائلية، ومكان العيش سواء في منطقة ريفية أو في مدينة مركزية، والمساحات التي تشغلها النساء وتلك التي يستطعن الوصول إليها، وميولهن السياسية الخاصة أو تلك المحيطة بهن.
ومع ذلك، إذا حلّلنا الوضع من خلال التفاوت الطبقي، نرى أن التصويت والتمثيل السياسي كانا أولوية سياسية عامة بالنسبة للنساء من الطبقات العليا. وقضية التصويت تبدو أكثر قابلية للتحقيق لأن قدرة هذه الفئة من النساء على الوصول إلى المساحات العامة والسياسية وعلى مخاطبة هذه المساحات أسهل نسبيًا وأكثر قبولًا اجتماعيًا. قد يكون التركيز على الحقوق الانتخابية للنساء خطوة استراتيجية لتنظيم المطالبة بحقوقهن بطريقة فعّالة من خلال الدفع نحو مكسب واحد خلال فترة بدت مهيأة للتغيير السياسي. ولكن هناك أيضًا وجهة نظر مهمة تعتبر أن هذا التركيز هو قصر نظر سياسي.إذ حافظ هذا المطلب على الوضع الاقتصادي القائم والذي يستبعد بطبيعته معظم النساء ومجتمعاتهن من الوصول إلى الموارد والى مراكز القرار، أو لإحداث أي تغيير حقيقي في وضع النساء الاجتماعي والاقتصادي. هذا لا يعني أن النضال من أجل حقوق النساء، بما في ذلك حق التصويت، لم يكن قضية صعبة تتطلب مجازفات وتضحيات. فقد أثارت هذه القضايا نقاشات حادة ومواجهات عنيفة، وكان من الممكن أن تُسجن النساء اللواتي يطالبن بحقوقهن بسبب مشاركتهن في الاحتجاجات.* استغرق حق التصويت أيضًا وقتًا طويلًا ليتحقق: حصلت النساء– المتعلمات فقط– على حق التصويت والترشّح رسميًا في العام 1952. وفي عام 1953 عُدّل القانون لمنح جميع النساء هذه الحقوق.
لكن رغم الجدل الذي أثاره حق التصويت، بقي تركيزه ودعمه – والأهم من ذلك، تحقيقه، كما يتضح من قانون 1952 التمييزي – محصورًا في بعض الأوساط “المتحضرة” و”العصرية” (التي تتماهى مع مظهر غربي مبسط بدوره)، أي يدور بمعظمه في الطبقات الثرية. والنتيجة أيضًا أن النضال من أجل حقوق التصويت بات الجزء الأكثر ظهورًا وأكثر ما نتذكره اليوم عن حركات النساء في الأربعينيات. فالتركيز على حق التصويت هو أيضًا، بشكل ما، من صنع المؤرخات/ين والناشطات/ين عندما ننظر إلى تلك الفترة.

(تصميم بزري)
من الواضح أن فهم مشاركة النساء في السياسة، بتعريفها الأوسع، خلال الأربعينيات يحثنا بأن نكون أكثر شمولًا، في المنطقة بكاملها. وطوال أربعينيات القرن العشرين كانت النساء من خلفيات عديدة يشكلن الخطابات حول حياتهن وطموحاتهن وحول ما يمكن أن يعنيه الاستقلال بالنسبة لهن. شاركت النساء بفعاليّة في النضالات والمبادرات للحصول على حقوقهن كعاملات وكمواطنات وكنساء. وكجزء من تقليد طويل الأمد داخل حركاتهن – والتي، تجدر الإشارة إلى أنها بدأت قبل الأربعينيات بوقت طويل – كن يطالبن بالمزيد من الحقوق والمزيد من الإصلاحات داخل المؤسسات القائمة، من السجون إلى المدارس. كما تظاهرن ضد تقسيم فلسطين الذي أقرته الأمم المتحدة في عام 1947. وكانت حركات النساء العمالية للمطالبة بحقوقهن كعاملات في المصانع منتشرة بشكل خاص، وظهرت أيضًا حركات طلابية خلال هذا العقد السياسي النشط. ونظرًا إلى ترابط العلاقات الاجتماعية والسياسية والجغرافية في فترة ما قبل الاستقلال، فقد كان نشاط النساء في لبنان غالبًا ما يتوازى ويتصل بالحركات في سوريا. ويمكن اعتبار بعضًا من هذه الحركات الإقليمية نوعًا من مقاومة واسعة النطاق للعنف الاستعماري والنظام الأبوي، بأساليب مختلفة ومتشابهة تجلّت عبر بلاد الشام.
كما هو الحال اليوم، كان بإمكان صناع القرار من النخبة الدفع باتجاه سياسات وخطابات تتماشى مع رؤيتهم للدولة المستقلة حديثًا ونظرتهم للنظام الاقتصادي بما يمزج بين اقتصاد حر واقطاع سياسي. فعلى سبيل المثال، بينما أُقرّ قانون العمل في عام 1946، استُثنيت منه فئات مثل “الخدم في بيوت الأفراد” (والنقابات الزراعية والمياومين والمؤسسات التي لا يعمل فيها “إلا أعضاء العائلة تحت إدارة الأب أو الأم”). ونستطيع أن نتصور أن النساء غالبًا ما يعملن في خدمة البيوت وفي الزراعة. بالتوازي، استُخدمت مفاهيم الأنوثة والأمومة كأدوات سياسية محافظة للحد من مشاركة النساء في المطالبة بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية. وغالبًا ما أعلنت النخب المتحكمة بالموارد والدولة، وحتى بعض الناشطات في مجال حقوق النساء خلال الأربعينات، أن الواجب الوطني والسياسي الأساسي للنساء هو دعم ورعاية أسرهن بدلاً من العمل في المصانع أو التظاهر في الشوارع.**
يفتح تفكيرنا في الحركات النسوية والمشاركة السياسية للنساء بمفهومها الواسع اسئلة عديدة ليومنا. في مقدمتها اسئلة حول علاقتنا بالأربعينات وكيفية البحث عن تلك القصص، من منطلق شخصي وعلى نطاق أوسع كذلك، من دون أن نلتزم ضروريًا بتسلسل زمني مستقيم . ثم ما هي الطموحات التي حملتها النساء لأنفسهن ولمجتمعاتهن؟ هل نظرن الى العمل المنزلي بكونه عملًا، وكيف تجاوبن مع هذه النظرة؟ كيف عاشت النساء من خارج المدن وفي الأماكن النائية حالات الضغط من أجل الاستقلال والتحرّر؟ كما يطرح السؤال حول كيفية النضال: الضغط من أجل قضية واحدة قد لا تكون متساوية في تأثيرها، أو اعتماد التعددية (والتضامن أو الترابط) بوجود عدة قضايا. وأخيرًا لا يهمنا هنا أن نمجّد حركات النساء في الأربعينيات. ما زال هناك الكثير لنتعلمه ونعيد التفكير فيه، وبالأخص في النظر إلى بعض الأنماط المتكررة في طرق التنظيم عبر العقود المتتالية. وهناك الكثير لنقده – خاصة أن العديد من النضالات والمجتمعات والمناطق كانت مستبعدة من بعض هذه التحركات . ودائمًا ندرك أن حيوات النساء كانت ولا تزال مليئة بالفروقات والتناقضات التي غالبًا ما تتحدى أي تعميم مبسّط لتجاربهن.
* انظر/ي على سبيل المثال: نازك سابا يارد، مقابلة مع ديمة قائدبيه، 2017، مشروع الحكايا والتاريخ الشفوي، ورشة المعارف، بيروت، لبنان، ص 7-8.
** نشكر سنا تنوري كرم على هذا تذكيرنا بهذه النقطة. يمكن أيضًا النظر إلى موارد التالية:
Elizabeth Thompson, Colonial Citizens: Republican Rights, Paternal Privilege and Gender in French Syria and Lebanon (New York: Columbia University Press) 238-241.
Malek AbiSaab, Militant Women of a Fragile Nation (New York: Syracuse University Press, 2010), 40.