مقدمة: قصص من الجنوب| مشروع الحكواتيات

ورشة المعارف، 2019

من سلسلةِ مشروعِ الحكواتياتِ للتاريخِ الشفويِ النسويِ هذا العام نشاركُ معكن/م اليوم “قصصاً من الجنوب”. تتضمّنُ هذه السلسلةُ مقابلاتٍ في التاريخِ الشفويِ مع نساءٍ من جنوبِ لبنان، من أجيالٍ وتجاربَ متفاوتة، تتقاطعُ مع بعضِها حيناً وتختلفُ أحياناً.
أجرت نسرين الرجب المقابلاتِ، وهي كاتبةٌ شابةٌ تقيمُ في الجنوبِ وكنّا تعرَّفنا عليها خلالَ مشاركتِها في صفوفِ المدرسةِ النسويةِ حولَ التاريخِ الشفوي التي قمنا بتنظيمِها في ٢٠١٨.
حين فاتحتنا نسرين بشأنِ اهتمامِها بالقيامِ بمقابلاتِ تاريخٍ شفوي في جنوبِ لبنان بعد تجربتِها في المدرسةِ النسوية، أعجبتنا الفكرةُ فوراً؛ إذ تصبُ في هدفِنا وعملِنا لبناءِ أرشيفٍ شاملٍ يوثِّقُ تجاربَ النساءِ في كل لبنان (وليسَ فقط اللبنانيات)، ويلتقطُ السياقاتِ المتعددة للنساء، عبرَ مراحلٍ تاريخيةٍ مختلفة، ويُظهِرُ كيف تتفاعلُ حيواتُ النساءِ الفرديةِ مع السياق الذي يعشنَ فيه. لذا، تسعى نسرين من خلالِ التاريخِ الشفوي كما تقولُ إلى “الإضاءةِ على تاريخٍ غيرِ منطوقٍ يمثِّلُ المرأةَ الجنوبيةَ وهواجسَها وأهدافَها، المحقّقة وغير المحقّقة”.
كما مع كلِّ سلسلةٍ في التاريخِ الشفوي، نطمحُ إلى توثيقِ حيواتِ نساءٍ من خلفياتٍ وطبقاتٍ وتجاربَ مختلفة، لكن أيضاً أن نعملَ ضمنَ ثيماتٍ وأسئلةٍ تساعدُنا على تأطيرِ مساعينا. فكانَ الأمرُ مع نسرين! وهي تواصلت مع سبعِ نساءٍ أوجدنَ مساحاتٍ مستقلّةٍ في جنوبِ لبنان أو شاركنَ في تأسيسِها، وتلك تُعنى إمّا بالثقافةِ أو التربيةِ والبيئةِ، إلى الحاجاتِ الاجتماعيةِ والإنسانية.
في إحدى المقابلاتِ ضمنَ هذه السلسلةِ، رأينا أن الحكواتيةَ في فرديتِها وسعيِها لكسرِ بعضِ التوقعات، استنبطَت مساحةً لها من خلالِ فرديةٍ في التعاملِ مع محيطٍ تراهُ لا يعكسُ أفكارها. لكن في معظمِ المقابلاتِ نلمسُ أهميةَ إيجادِ المساحاتِ وابتكارِها وكيف تعبِّرُ عن حاجةٍ إلى أمكنةٍ غير تابعةٍ للأحزابِ السياسيةِ الموجودةِ، أي أنها تعكسُ بعض تنوّع المنطقة لكنها ليست منفصلةً عن سياقِها الاجتماعي. مِن خلالِ هذه المساحاتِ تشاركُ النساءُ في المجالِ العامِ بشكلٍ فعّالٍ ويشعرن بأنهن يُحدثنَ تغييراً ما أو يساعدنَ في قيامِ مجتمعٍ أكثرَ عدالة. وفي بعضِ الأحيانِ تكونُ هذه المشاركةُ “آمنةً” أو غير مستفزّة، لكنها لا تخلو من صعابٍ وتحدياتٍ من المجتمع، مما قد يتطلبُ مواجهةً، كما الحال مع تجربةِ زهرة صادق، كما ترويها، لإحداثِ تغييرٍ شاملٍ للنظامِ في مدرسةِ فريحة الحاج علي التي ترأستها.
وقد نلمسُ في بعضِ المقابلاتِ شعوراً أنَّ حياتَهن أو أفكارَهن غير التقليدية تُبعدِهنَّ عن مجتمعِهن وتخلِّفُ مرارةً ما، لأنها لا تؤوي مجموعةً أو لا تُسيِّرها نحو تنظيمٍ جماعي. بينما عبَّرت أخرياتٌ عن حالةٍ من الرضى لوجودِ بيئةٍ حاضنةٍ، ولو محدودة، وبالعملِ ضمنَ فريق.
في معظم المقابلاتِ هناك مركزيةٌ للعائلةِ وللأمومة، تتفاوتُ بحسبِ تجاربِ النساء. قد لا يوجدُ تحدٍّ لهذه المركزيةِ في طريقةِ النساءِ في سردِ قصصِهن أو تاريخِهن[1]، لكن هناك “إخلالٌ” تُحدِثُه النساءُ أحياناً، إن كانَ في معركةِ طلاقٍ والسعي إلى الاستقلاليةِ كما ترويها ناهلة سلامة، أو في حالةِ سلمى علي أحمد بعدمِ التوقّفِ عن العملِ خلالَ مرضِ زوجِها إذ ساعدتها مسؤولياتُها خارجَ المنزلِ في التعاملِ مع الأزمةِ داخله، وتؤكّد سلمى خلال المقابلةِ على راحةِ ضميرِها أمامَ القرارِ الذي اتخذته.
يظهرُ في المقابلاتِ تاريخٌ طويلٌ من تهميشِ محافظةِ الجنوبِ من قِبلِ الدولةِ اللبنانية. تقول دلال عبّاس مثلًا: “لا توجد مدرسةٌ، من دونِ استثناءٍ، بأي قريةٍ في الجنوبِ أنشأتها الدولةُ هكذا بملءِ خاطرِها” إنّما يحدثُ ذلك بعد سعي و”شحادة” من الأهالي. ونسمعُ في معظمِ مقابلاتِ التاريخِ الشفوي رفضاً للظلمِ، وقد نصفُه أيضاً بقدرةِ الحكواتياتِ على التحرّكِ لتغييرِ الواقع. قد نرى هنا صلةً ما — وإن لم تكن سبباً مباشراً: في مكانٍ تعرَّضَ لعقودٍ من التهميش، قد لا تنتظرُ بعضُ النساءِ أي جهةٍ للقيامِ بالعملِ المطلوبِ (و/أو الجماعةِ التي ينتمين إليها).
وبالطبعِ تتطرّقُ كل المقابلاتِ إلى الاحتلالِ الإسرائيلي الذي اصطدَم بحياةِ كلِّ النساءِ اللواتي تمَّت مقابلتُهن وأدّى إلى استشهادِ فردٍ منَ العائلةِ أو تدميرِ بيوتٍ أو تهجير. كذلك تكلَّمت الحكواتياتُ اللواتي عاصرنَ الحربَ الأهليةَ عن سنواتِ الحربِ وكيف أثَّرت عليهن.
ومنذ البدءِ كانت نسرين مهتمةً باستكشافِ علاقةِ النساءِ بالطقوسِ الدينيةِ وبالحجاب بالتحديد، لذا في كلِّ مقابلةٍ تسألُ عن الموضوع. ونرى من خلالِ مقابلاتِ التاريخِ الشفوي أنَّ هذه العلاقةَ ليست ثابتةً، فمعظمُ الحكواتياتِ في هذه السلسلةِ يروينَ أنهن خلعنَ الحجاب تارةً ولبسنَه طوراً، بحسبِ الوضعِ الفردي لكلِّ امرأةٍ ضمنَ سياقِها العائلي والاجتماعي. وتعمَّدت نسرين كذلك السؤالَ عن التغييراتِ (الاجتماعيةِ أو الدينيةِ والسياسية) التي طرأت على الجنوب. وفي أمكنةٍ أخرى تظهرُ هذه التغيرّاتُ في القصةِ من دونِ السؤالِ عن هذا الموضوع. وفي الكثيرِ من الأحيان، طلبت النساءُ منّا حذفَ بعضَ المقاطعِ من مقابلاتِهن التي تصفُ هذه التغيراتِ بشكلٍ نقدي.
إلى جانبِ الإنجازات والتحديات، إن كانت في محيطٍ داعمٍ لهن أم لا، هناك نوعٌ آخر من العزلةِ نلمسُه في بعضِ قصصِ النساء، وذلك حين يتكلمنَ عن حياتِهن بعدَ موتِ الزوجِ أو بعدَ سفرِ الأولاد. تدلُّ هذه العزلةُ، مرّةً أخرى، على مركزيةِ العائلةِ، وخاصةً العائلة النُواتية، في حياةِ النساء؛ وكذلك على صعوبةِ استنباطِ هويّاتٍ ومساحاتٍ جديدةٍ للنساءٍ في عمرٍ ما، خصوصاً ما لا يرتكزُ على عملِهن الرعائي ضمنَ العائلة.
على الدوامِ في ورشةِ المعارف، بصرفِ النظرِ إذا عرَّفَت النساءُ عن أنفسِهن كنسوياتٍ أم لا (وفي هذهِ السلسلة لا تعرِّفُ الحكواتياتُ عن أنفسِهن كنسويات)، نعتبر أن واجبَنا كنسوياتٍ أن نستمِع إلى قصصِ النساءِ بأُذنٍ منفتحةٍ وأُذنٍ تحليلية، لنفهمَ بشكلٍ أعمقٍ تجاربَ النساءِ وكيف يسردنَها مع كل تناقضاتِها وإنجازاتِها ومُقيِّداتِها.
وبهذا ندعوكن/م إلى متابعةِ سلسلةِ التاريخِ الشفوي “قصصٌ من الجنوب” والتي نطلقها مع التاريخ الشفوي للناشطة البيئية وفاء فخر الدين، لنرى مرّة أخرى، كما لمسنا في السلسلةِ السابقة عن النساء في الحركة البيئيّة والتي أطلقناها العام الماضي، أن هناك حركة بيئية مميّزة في الجنوب، وأن النساء موجودات في محور هذه الحركة.
نأمل أن تشاركونا آراءكن/م بشأنِ هذه المقابلات!

[1] لهذا الموضوع انظر/ي مقال زينة زعتري عن “ثقافةً الأمومةِ كسبيلٍ للمشاركةِ المدنيةِ للنساءِ في جنوبِ لبنان”
Zaatari, Zeina. “The Culture of Motherhood: An Avenue for Women’s Civil Participation in South Lebanon.” Journal of Middle East Women’s Studies 2.1 (Winter 2006): 33-64.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.