(تصميم بزري)
كجزء من مشروع بناء الأمة، عملت حركة استقلال لبنان على تعزيز صورة هذا البلد الجديد كدولة فريدة داخل محيطها العربي. بُنيت هذه الصورة-الأسطورة على تميّز لبنان بتعدديته، مع بقائه في الوقت نفسه بلا صبغة دينية واحدة. وشكلت النخب المتحكمة بالدولة وبمواردها النموذج الاقتصادي للبلاد حيث دفعت نحو اندماجه في النظام الرأسمالي العالمي والاقتصاد النفطي الاقليمي. وقدمت هذه النخب النظام المالي للبنان وقيمته التجارية والسياحية كعناصر فريدة،* وكان لهما تأثير كبير على جماليات الدولة الجديدة.
وقد احتاجت هذه الصورة الخيالية للبنان إلى النساء أيضًا، خاصة كمستهلكات لمظهر وأسلوب حياة معينين.**
في أربعينيات القرن العشرين، روجت المجلات النسائية البرجوازية، مثل مجلة “صوت المرأة”، لجمالية تحاكي معايير الجمال والموضة وأساليب الحياة الغربية. شجعت هذه المجلة النساء على المشاركة في الأنشطة والمساحات الثقافية المتمركزة في المدينة والتي كان يهيمن عليها إلى حد كبير الرجال البرجوازيين و”المثقفين”. مع أن هذه “الأنوثة الجديدة” كانت مطروحة للنقاش والتعريف لأكثر من عقدين من الزمن قبلها، لكنها أصبحت أكثر ترسيخًا في أربعينيات القرن العشرين. وقد خاطبت هذه القيم الجمالية فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، حتى عندما كانت النخب تقاتل من أجل الاستقلال السياسي عن الدول الغربية. فالعديد من الإعلانات في هذه المجلات كانت للمنتجات الفرنسية، وإذا لم يُستخدم مصطلح “باريس الشرق الأوسط” بشكل مباشر في هذه المنشورات، فمن المؤكد أنه كان مُعبّرًا عنه ضمنيًا.

(تصميم بزري)
قيّد المظهر المُروّج للدولة الجديدة، والخطاب المحيط به، بعضًا من فعالية حركات التحرر. ففي وقت شهد نشاطًا متزايدًا من قبل النساء، حُصرت حقوق النساء ضمن صورة سائدة يمكن اختزالها في تبني نمط حياة معين، ووضعت معايير تُقاس وفقًا لها النساء. تطلبت هذه الصورة مشهدًا حضريًا ورخاءً اقتصاديًا، مما عزز بالتأكيد في الانقسامات العميقة بين المجتمعات والطبقات عبر المناطق المختلفة في الدولة اللبنانية الجديدة، وزادت من تهميش حيوات النساء في المجتمعات الريفية والطبقات العاملة.
عندما يُنظر إلى هذه الصورة-الاسطورة ضمن سياق دفع الدولة نحو السياحة والتجارة الرأسمالية، يصبح المظهر الجندري المروج له أداة لتحقيق مكاسب اقتصادية.
في الوقت نفسه، ربما تمكن عدد من النساء من استخدام التوقعات الجمالية كأداة لكسر بعضًا من الأدوار الجندرية المفروضة عليهن وتحقيق تقدّم ولو صغير في حريتهن . سواء من خلال استخدام أو تحدّي الجماليات والأدوار المتوقعة، فقد دخلت النساء الحياة العامة بشجاعة وشاركن في المناقشات العامة لتغيير نظرة المجتمع لهن، وأدوارهن في هذه المجتمع، بشكل جذري محليًا وأحيانًا دوليًا أيضًا.
*فواز طرابلسي، تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة الى اتفاق الطائف، الطبعة السادسة 2023. (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر 2008)، 195-203.
**شكر خاص ل سنا تنوري كرم على هذه النقطة لتعميق نظرتنا حول حيوات النساء في الأربعينيات .